حيدر حب الله
97
شمول الشريعة
إلا أنّ الرجوع إلى اللغة والتفاسير ، يوضح للإنسان أنّ المراد بالتفصيل هو التبيين ، فالمفصَّل هو المبيّن ، في مقابل المجمل الذي يعني غير المبيَّن ، وأصل الفصل من البين بين شيئين بحيث يتميّز الشيء عن الشيء ويبين عنه ، ولهذا أطلَق العرب على اللسان اسم المفصّل ؛ لأنّ به تبين الأمور وتتميّز « 1 » ، فوصف القرآن بأنّه فُصّلت آياته أو فيه تفصيل يعني أنّه كتاب واضح ومبين وتبيان ونور . ولهذا فسّروا قوله تعالى : ( وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) ( فصلت : 44 ) ، بمعنى أنّه بيّنت بلسانٍ عربي واضح نفهمه « 2 » ، فليس المراد من تفصيل القرآن استيعابه وشموله ، وإنّما بيانه ووضوحه ونوريّته وتمايز مفاهيمه عن بعضها بحيث لا تختلط فتتشوّش ، وما شابه ذلك ، ولعلّ ما بتنا نعبّر عنه بالتفصيل اليوم إنّما سمّيناه بذلك لأنّه بات عندنا مصداقاً للتبيين وأسلوباً من أساليبه ، أو لأنّه مصداق للتمييز والفصل بين الأشياء . ومن هنا قال تعالى : ( كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ( فصلت : 3 ) ، فجعل التفصيل في سياق العربيّة ، وإذا فسّرنا العربيّة بمعنى الوضوح ، من الإعراب عن الشيء الذي يعني الإفصاح عنه والبيان ، صارت الدلالة واضحة أيضاً . هذا كلّه بقطع النظر عن قيد « كلّ شيء » الوارد هنا في الآية رقم : 6 ، وبهذا لا يمكن الاستدلال هنا بالآيات رقم : 3 - 4 - 5 - 7 . 2 - 3 - مفهوم ( كلّ شيء ) ومناسبات الحكم والموضوع إنّ الأخذ بحرفيّة « كل شيء » الوارد في الآية الثانية والسادسة هنا ، يستلزم اشتمال القرآن على كلّ صغيرةٍ وكبيرة على الإطلاق من كلّ جزئيّات العلوم والمعارف ، بل وكلّ الأحداث
--> ( 1 ) راجع كلمات اللغويّين مثل : الفراهيدي ، العين 7 : 126 ؛ وابن فارس ، معجم مقاييس اللغة 4 : 505 ؛ ولعلّه للسبب عينه سُمّي ( الفصل ) الذي يستخدمه المناطقة في باب الحدود والتعريفات بهذا الاسم ؛ لأنّه بالفصل يبينُ النوعُ ويمتاز عن سائر الأنواع المندرجة معه تحت الجنس . ( 2 ) انظر - على سبيل المثال - : الطبرسي ، مجمع البيان 9 : 29 ؛ والطبري ، جامع البيان 24 : 157 .